مجمع البحوث الاسلامية
582
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
والثّاني : أنّ التّوراة نزلت بتحريمها فحرّموها بعد نزولها ، والأوّل أصحّ . ( 1 : 409 ) الطّوسيّ : وكان إسرائيل - وهو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - نذر إن برأ من النّساء أن يحرّم أحبّ الطّعام والشّراب إليه ، وهو لحوم الإبل وألبانها ، فلمّا برأ وفي بنذره . إن قيل : كيف يجوز للإنسان أن يحرّم على نفسه شيئا ، وهو لا يعلم ما له فيه من المصلحة ممّا له فيه المفسدة ؟ قلنا : يجوز ذلك إذا أذن اللّه له في ذلك ، وأعلمه ، وكان اللّه أذن لإسرائيل في هذا النّذر ، فلذلك نذر . وفي النّاس من استدلّ بهذه الآية على أنّه يجوز للنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أن يجتهد في الأحكام ، لأنّه إذا كان أعلم ورأيه أفضل ، كان اجتهاده أحقّ . وهذا الّذي ذكروه إن جعل دليلا على أنّه كان يجوز أن يتعبّد النّبيّ بالاجتهاد ، كان صحيحا ، وإن جعل دليلا على أنّه كان متعبّدا به ، فليس فيه دليل عليه ، لأنّا قد بيّنّا أنّ إسرائيل ما حرّم ذلك إلّا بإذن اللّه ، فمن أين أنّ ذلك كان محرّما له من طريق الاجتهاد ، فأمّا من امتنع من جواز تعبّد النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالاجتهاد بأنّ ذلك يؤدّي إلى جواز مخالفة أمّته له ، إذا أدّاهم الاجتهاد إلى خلاف اجتهاده فقد أبعد ، لأنّه لا يمتنع أن يجتهد النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله الاجتهاد إلى خلاف ما أدّى اجتهاد الأمّة إليه ، فوجب اتّباعه ، ولا يلتفت إلى اجتهاد من يخالفه ، كما أنّ الأمّة يجوز أن تجمع على حدّ عن اجتهاد ، وإن لم يجز مخالفتها ، فبطل قول الفريقين . ( 2 : 532 ) الزّمخشريّ : والّذي حرّم إسرائيل - وهو يعقوب عليه السّلام - على نفسه : لحوم الإبل وألبانها . [ إلى أن قال : ] وقيل : أشارت عليه الأطبّاء باجتنابه ، ففعل ذلك بإذن من اللّه ، فهو كتحريم اللّه ابتداء . والمعنى : أنّ المطاعم كلّها لم تزل حلالا لبني إسرائيل من قبل إنزال التّوراة ، وتحريم ما حرّم عليهم منها لظلمهم وبغيهم ، لم يحرّم منها شيء قبل ذلك غير المطعوم الواحد الّذي حرّمه أبوهم إسرائيل على نفسه ، فتبعوه على تحريمه . وهو ردّ على اليهود وتكذيب لهم ؛ حيث أرادوا براءة ساحتهم ممّا نعى عليهم في قوله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ إلى قوله تعالى : عَذاباً أَلِيماً النّساء : 160 ، 161 ، وفي قوله : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إلى قوله : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ الأنعام : 146 ، وجحود ما غاظهم واشمأزّوا منه وامتعضوا ممّا نطق به القرآن من تحريم الطّيّبات عليهم ، لبغيهم وظلمهم ، فقالوا : لسنا بأوّل من حرّمت عليه وما هو إلّا تحريم قديم ، كانت محرّمة على نوح وعلى إبراهيم ومن بعده من بني إسرائيل ، وهلمّ جرّا ، إلى أن انتهى التّحريم إلينا ، فحرّمت علينا كما حرّمت على من قبلنا . وغرضهم تكذيب شهادة اللّه عليهم بالبغي والظّلم والصّدّ عن سبيل اللّه ، وأكل الرّبا وأخذ أموال النّاس بالباطل ، وما عدّد من مساوئهم الّتي كلّما ارتكبوا منها